سبع عشرة سنة مرت على صدور القانون رقم 220/2000 المتعلق بحقوق الأشخاص المعوقين في لبنان، والذين يشكلون حسب تقرير البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية الصادر في العام 2011 "15 بالمئة" من نسبة السكان، ولم تطبق الحكومات المتعاقبة والإدارات المعنية شيئاً منه حتى الآن. إذ تحرم المماطلة هؤلاء من أبسط حقوقهم البديهية وعلى رأسها حقهم في العمل، والتي كان يتوجب أن تصبح من المسلمات بعد 17 عاما من صدور القرار. و"مرّة جديدة، يؤكد القضاء دوره في حماية الفئات الإجتماعية المهمشة فيسهل وصول ذوي الإعاقة الى سوق العمل لتعزيز استقلاليتهم وإمكانيتهم بالعيش الكريم، بعد أن سجلت في صفوفهم أعلى نسب للبطالة بين العمّال اللبنانيين". "في محطة جديدة لتأكيد حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وضرورة إحترامها من قبل الوزارات المعنية، وأحد هذه الحقوق يتمثل باحترام قدرات وطاقات الأشخاص المعوقين في لبنان وحقهم بالعمل اللائق"، عقد "اتحاد المقعدين اللبنانيين" و"المفكرة القانونية" و"المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين" مؤتمرا صحافيا للإعلان عن قرارات قضائية تضمن حق ذوي الاحتياجات الخاصة بالعمل في القطاع الخاص وبتعويض البطالة. قراران ملزمان بعد 17 عاماً على تعطيل غالبية الحقوق المذكورة في قانون حقوق الأشخاص المعوقين رقم 220/2000، أصدر مجلس شورى الدولة في شباط 2017 قرارين يلزمان الدولة اللبنانية بالمباشرة بتنفيذ البنود المتعلقة بحق ذوي الإعاقة بالعمل في القطاع الخاص. وجاء هذان القراران نتيجة ثلاث دعاوى قضائية تقدم بها "إتحاد المقعدين اللبنانيين" بالتعاون مع "المفكرة القانونية" لمطالبة الدولة بالمباشرة بتنفيذ القانون، وتحديداً بتفعيل الآليات القانونية التي تضمن توظيف الأشخاص المعوّقين من قبل أصحاب العمل في المؤسسات المتوسطة والكبيرة. فقد أعلن مجلس شورى الدولة أنه يتوجب على صندوق الضمان التأكّد من مدى إلتزام أصحاب العمل بموجب توظيف ذوي الإعاقة وعدم إصدار براءات ذمة في حال المخالفة. كما أعلن أنه يتوجب على وزارة العمل جباية غرامات من أصحاب العمل المخالفين ودفع تعويض بطالة لذوي الإعاقة الذين يفقدون عملهم بشكل اضطراري. ومن خلال هذين القرارين، سقطت جميع الحجج التي كانت تستخدمها الدولة لرفض مطالب حركة الإعاقة منذ سنوات عديدة، ولم يعد هناك عذر لعدم تنفيذ القانون، بل أصبح تنفيذه موجبا قضائيا يعرّض الإدارة المخالفة لغرامات اكراهية. أسباب التقاضي وجاء في أسباب التقاضي الإستراتيجي التي عرضتها "المفكرة القانونية": في العام 2015 تقدم اتحاد المقعدين اللبنانيين وسيدة معوقة بالتعاون مع المفكرة القانونية بثلاث دعاوى قضائية أمام مجلس شورى الدولة، لمطالبة الدولة بالمباشرة بتنفيذ قانون حقوق الأشخاص المعوقين رقم 220/2000 وتحديدا بتفعيل الآليات القانونية لضمان حق أساسي لشريحة واسعة من المجتمع اللبناني وهو حق العمل لذوي الإعاقة. فقد كرّس القانون حق العمل للأشخاص المعوقين والتزمت الدولة بالعمل على مساعدة الأشخاص المعوقين للدخول في سوق العمل ضمن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، إذ لطالما عانت هذه الفئة الإجتماعية المهمشة من العزل والتهميش نتيجة تقاعس الدولة عن اتخاذ أي خطوة عملية لتأمين الحماية والدعم لها. وتمحورت الدعاوى القضائية حول اثنتين من أهم ركائز حق العمل لذوي الإعاقة "أولاً: موجب تخصيص وظائف للأشخاص المعوقين في القطاع الخاص: ألزمت المادة 74 من القانون أصحاب العمل في القطاع الخاص التي لا يقل عدد الأجراء فيها عن ثلاثين، على توظيف ذوي الإعاقة وفقا لنسب معينة (استخدام أجير واحد في المؤسسات التي فيها من 30 إلى 60 أجيرًا، واستخدام نسبة 3 في المئة من أجراء المؤسسات التي يفوق عدد الأجراء فيها الـ60 أجيرًا). وثانياً: حق الشخص المعوق بالحصول على تعويض البطالة: إذ نصت المادة 71 من القانون على منح تعويض بطالة للأشخاص ذوي الإعاقة العاطلين، وتم تحديد الشروط القانونية للإستفادة من هذا التعويض في المرسوم 7784 الصادر في العام 2002". وكان المشرّع قد كلّف وزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي مسؤوليات بالغة الأهمية لضمان هذه الحقوق: 1- من مسؤولية الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي التحقق من تخصيص وظائف لذوي الإعاقة في القطاع الخاص. لكن الصندوق توقف عن ممارسة هذه المسؤولية بعد أقل من عام على صدور القانون، وذلك عندما أعاد إصدار براءات الذمة لأصحاب العمل المخالفين لموجب توظيف ذوي الإعاقة. وقد أدى ذلك إلى تشجيع أصحاب العمل على التنصل من موجباتهم القانونية، ومن المساهمة بشكل فعال في عملية التضامن الإجتماعي التي تأسس الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بهدف تعزيزها. 2- من مسؤولية وزارة العمل إستيفاء الغرامات من أصحاب العمل الذين لم يلتزموا بموجب تخصيص وظائف لذوي الإعاقة، كما ومن مسؤوليتها دفع تعويض البطالة للأشخاص المعوقين الذين يستوفون الشروط القانونية. ولكن الوزارة لم تباشر ممارسة هذه المسؤوليات بعد أكثر من 17 سنة على صدور القانون، متخلية بذلك عن مسؤولية وطنية كُلفت صراحةً بالقيام بها. وقد أدى ذلك إلى تشجيع أصحاب العمل على التنصل من موجباتهم القانونية ومن المساهمة بشكل فعال في عملية دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل، وإلى حرمان ذوي الإعاقة العاطلين عن العمل من الحماية الإجتماعية المتمثلة بتعويض البطالة. الدعاوى الثلاث وبناء عليه، هدفت الدعاوى القضائية إلى الطلب من الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ووزارة العمل المباشرة بمسؤوليتهما في ضمان حق العمل لذوي الإعاقة وتنفيذ القانون 220/2000. فتقدّم اتحاد المقعدين بدعوى أولى لإبطال قرار صندوق الضمان برفض التثبت من مدى التزام أصحاب العمل في القطاع الخاص بموجب توظيف الأشخاص المعوقين، وبدعوى ثانية لإبطال قرار وزارة العمل برفض المباشرة باستيفاء الغرامات من أصحاب العمل المخالفين. كما تقدّمت سيدة كفيفة بدعوى لإبطال قرار الوزارة برفض منحها تعويض البطالة. تفاصيل القرارين وجاء في قراري مجلس شورى الدولة "لا مبرر لعدم تنفيذ الدولة قانون حقوق الأشخاص المعوقين"، وأصدر مجلس شورى الدولة قرارين في هذه الدعاوى الثلاث، بعد أن ضم المراجعتين المقدمتين من قبل اتحاد المقعدين: -القرار رقم 293/2016-2017 تاريخ 6/2/2017: عدم صدور موازنة عامة لا يبرر مخالفة القانون في قضية تعويض البطالة. قرر مجلس شورى الدولة إبطال قرار الرفض الصادر عن وزارة العمل، وذلك بعد أن ثبت أن السيدة الكفيفة تستوفي جميع الشروط القانونية للحصول على تعويض البطالة، لا سيما أنها لبنانية، وحاملة بطاقة المعوق الشخصية وقادرة على العمل، وسبق أن مارست العمل لأكثر من ستة أشهر. واعتبر المجلس أن "تذرع وزارة العمل بعدم وجود اعتمادات لديها تغطي قيمة تعويض البطالة، وذلك لعدم إقرار موازنة عامة منذ 2005 ولغاية تاريخه، لا يبرر تخلفها عن تنفيذ أحكام القانون وعن دفع تعويض البطالة عند توافر شروط استحقاقه". -القرار رقم 324/2016-2017 تاريخ 13/2/2017: الدولة تخالف مبدأ التطبيق المباشر للقوانين الجديدة ونية المشترع، في قضية تخصيص الوظائف لذوي الإعاقة في القطاع الخاص، قرر مجلس شورى الدولة إبطال قراري وزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، معلنا أنهما ملزمتان بتنفيذ المادة 74 من قانون حقوق الأشخاص المعوقين، واعتبر أن هذه المادة جاءت واضحة وصريحة وهي قابلة للتنفيذ بشكل مباشر دون حاجة لإصدار مراسيم تطبيقية. فرد بذلك جميع الحجج التي تتمسك بها الإدارتان لرفض تنفيذ القانون، معتبرا أنهما تخالفان "مبدأً عاما وهو مبدأ التطبيق المباشر للأحكام القانونية الجديد" كما تخالفان "نية المشترع الذي أراد إعطاء أحكامه الضامنة لحقوق الأشخاص المعوقين لا سيما حقهم بالعمل". وفي هذين القرارين قالت رئيسة الاتحاد سيلفانا اللقيس "لقد استطعنا بالشراكة مع المفكرة القانونية إحداث اختراقين في الجدار السميك المفتعل من الذهنيات التي تصرّ على عزلنا عن مجتمعنا. وهذان الاختراقان اللذان أفضيا إلى قرارين من مجلس شورى الدولة، يتعلقان بالقسم الثامن من القانون 220/2000 الخاص بحق العمل، ما هما إلا خطوة في مسار نضالي طويل نحو تحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص المعوقين. وهما قضيتان من قضايا التقاضي الإستراتيجي بهدف الحث على تنفيذ القانون وتفعيل الحقوق. فقد وُضع القانون 220/2000 سعيا نحو إلغاء العوائق التي يواجهها الأشخاص المعوقون، فيما عزمت الحكومات المتعاقبة على إضافة عوائق جديدة أمام تنفيذه". مرصد حقوق المعوقين وبهدف تعزيز حماية حقوق الأشخاص المعوقين، أطلق اتحاد المقعدين اللبنانيين قبل أربع سنوات مع الزملاء في "المفكرة القانونية" وشبكة الدمج في لبنان وبدعم من دياكونيا، "مرصد حقوق الأشخاص المعوقين" عبر رصد الانتهاكات لحقوقهم، وتحسين تطبيق القانون 220 من خلال التعاون مع الجهات المعنية لإصدار المراسيم والتعاميم اللازمة. وقد تركزت شكاوى الأشخاص المعوقين على انتهاك حقهم بالعمل اللائق. و"للسنة الرابعة من عمل المرصد تقارب الشكاوى نسبة 30 في المئة في باب انتهاكات حق العمل، فيما نسبة الأشخاص المعوقين المعطلين، ولا نقول العاطلين عن العمل تصل إلى 85.6 في المئة، ومن يجد منهم فرصة عمل أو يعمل يصطدمون بعدد من العوائق منها البيئة الهندسية غير المجهزة أو ظروف العمل ومكانه، وبالمهام الوظي
فية الموكلة إليهم وصعوبات تحول دون تكييفات ملائمة تحترم قدراتهم وتستثمر طاقاتهم بشكل أفضل. كذلك الكوتا المقتطعة (3 في المئة) لتوظيف الأشخاص المعوقين في القطاعين العام والخاص، لا يتم احترامها من القطاعين العام والخاص إلا في ما ندر". فـ"اليوم، مع الوصول إلى هذين القرارين من مجلس شورى الدولة، ومع الاستمرار في تجاهل حقوقنا من الوزارات المعنية، وتغييبنا للمرة الثانية على التوالي عن البيان الوزاري، ومع الاستهتار المتمادي من مجلس النواب لعشر سنوات في التصديق على الاتفاقية الدولية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، نعلمكم أننا لن نتساهل في المطالبة بحقوقنا المشروعة وسنعمل مع الأصدقاء في "المفكرة القانونية" وجميع الشركاء على الضغط عبر خطة تنفيذية للقرارين المذكورين، وصولا إلى تطبيقهما، بالإضافة إلى السعي المستمر للوصول إلى قرارات مماثلة عبر آلية التقاضي الاستراتيجي". مرصد حقوق العمال وبعد هذا الإنجاز القضائي لصالح ذوي الاحتياجات الخاصة،أبدى "المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين" كامل استعداده لكل أشكال التعاون والتنسيق مع اتحاد المقعدين اللبنانيين والمفكرة القانونية، لمتابعة تنفيذ مضمون هذا الحكم القضائي ومدى التزام المؤسسات وإدارة الضمان به، واضعا بلسان منسقه الدكتور أحمد الديراني، كل إمكانيات وحدة الدعم القانونية في المرصد في التصرف، وهي الوحدة التي تستقبل أصحاب الشكاوى ومن تعرضوا لانتهاك حقوقهم في العمل وتقدم لهم الإستشارات القانونية والنصائح وتوضيح آليات متابعة حقوقهم لدى المراجع المختصة، مجانا. و"شكل هذا الإنجاز حافزا للمرصد على تطوير آليات رصده للقوانين المعطلة والتي تساعد وتضمن حقوق العمال". أما أبرز القضايا التي سيسعى المرصد قريبا الى تنظيمها، فهي "تنظيم شبكات ومنصات متابعة"، لزيادة عدد المسجلين في الضمان الاجتماعي، والذي للمفارقة تعترف إدارة الضمان بأن أكثر من نصف العاملين اللبنانيين غير مسجلين في الضمان، "حيث نطالب بضرورة زيادة عدد المفتشين وتفعيل دورهم في مراقبة المؤسسات التي تتهرب من تسجيل عمالها في الضمان". ترجمة فعلية؟ إذاً، نطق القضاء اللبناني صراحة بحقوق هذه الفئة المهمشة في بلد ابتلعت أكثرياته أقلياته، خلافا لكل القوانين المرعية الإجراء. ووضع مجلس شورى الدولة حدا لانتهاك القانون رقم 220/2000 بعد 17 عاما من إقراره، ليبقى السؤال: هل سيحتاج القضاء 17 عاما آخر لتنفيذ العقوبات بالإدارات المخالفة؟ سؤال برسم الأيام القليلة المقبلة التي يتوجب أن تحمل ترجمةً فعلية لهذين القرارين.


Source & Link: Al Balad