ربما من المعيب أن تطالب الجمعيات النسائية في القرن الواحد والعشرين وفي عهد "التغيير والإصلاح" بقانون يحمي النساء من التحرش الجنسي. ولكن في لبنان سلطة لم تأخذ من التأنيث إلا تاءها "المربوطة" بعقدة الذكورية لدى من هم في مواقع القرار. والدليل على ذلك، ما حصل في جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي، والتي حولت طرح اقتراح قانون يجرم التحرش الجنسي بجهد "نوائب المجلس" إلى ملهاة تسخر من القانون، مقترحه، توقيته، وأهميته... ولا عجب في ذلك، فهل لنا أن نتوقع من مغتصبي السلطة أن يكونوا ضد التحرش الجنسي، الذين منعتهم ذكوريتهم من التفكير ولو للحظة بأن ضحية التحرش قد تكون في يوم من الأيام والدتهم، أختهم، ابنتهم، أو ابنهم حتى، إذ إن التحرش لا يقتصر على النساء وحسب .
يُعرف التحرّش بأنه محاولة قهر أكثر مما هو محاولة تعبير عن رغبة جنسية، لأنه ينم عن نظرة دونيّة للمرأة، ويعود إلى تركيبة المجتمع الذكورية التي تعطي الحق للرجل في السيطرة على المرأة. وهو ترجمة لعلاقات النفوذ في مجتمع قائم على الطبقية، العنصرية، والتمييز الجنسي، وهي العوامل التي تشكل مجتمعة الأسباب المباشرة للتحرّش .
لا قانون
لا يوجد في لبنان قانون يجرّم التحرش الجنسي ويعاقب المتحرش، على الرغم من تقدم النائب غسان مخيبر باقتراح قانون يرمي إلى تجريم التحرش الجنسي والإساءة العنصرية منذ الشهر الخامس من العام 2014. وعندما وصل جدول أعمال مجلس النواب في جلسة 19- 12- 2017 التشريعية إلى البند المتعلق بإقرار القانون المقترح من قبل مخيبر، علت الضحكات والعبارات الساخرة، ودخل المجلس بدوامة الأخذ والرد وتبادل النكات على خلفية البند المطروح، الذي اتخذ منه الحضور مادة دسمة للسخرية والتهريج، ما أدى إلى إرجاء المصادقة على اقتراح القانون .
مادة للسخرية
تروي الصحافية في المفكرة القانونية رانيا حمزة، التي كانت شاهدة على جلسة التهريج تلك، لـ"البلد" ما جرى أثناء طرح القانون والتعليقات التي صدرت من نواب المجلس. فما كاد النائب غسان مخيبر أن يلفظ عبارة قانون يجرم التحرش الجنسي حتى علت أصوات أغلب النواب "لااااااااااااااااااا..." وتابع البعض "بدنا قانون يحمينا من النسوان"، ويقول أحدهم "نيالك يا غسان شو بالك مرتاح"... لتتحول الجلسة إلى جلسة ضحك وتنكيت وسخرية، حتى شعر مخيبر بأنه أقدم على اقتراف ذنب ما بينما هو يطالب بحماية النساء والأطفال وغيرهم من التحرش .
إرجاء المصادقة
وما ان قرأ مخيبر قليلا من القانون حتى قاطعه وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان، لافتا الى أن الحكومة تعمل على قانون مشابه، وعندها قال لهما رئيس المجلس نبيه بري أن يتناقشا بالقانونين وينسقا مع بعضهما البعض في هذا الإطار. وبعد المناقشة القصيرة بين مخيبر وأوغاسبيان عاد مخيبر ليكمل تقديم اقتراحه والأسباب الموجبة. فيسارع النائب سيرج طورساركيسيان ليعلق ساخراً "وبلكي شي موظفة بدها تنتقم من مديرها واشتكت عليه بتهمة التحرش..."، ليدخل الآخرون بجدلية الآلية التي يجب أن تتحدد لإثبات تهمة التحرش، ومن بينهم النائب محمد فنيش الذي طالب بآلية لذلك، ليسأل آخر "هل يمكن للفتاة أن تقدم شكوى على كل رسالة واتس أب... إذا هيك منفتح علينا باب ما بيتسكر". وعند عرض مخيبر للعقوبات التي تلحق بالمتحرش، يعلق النائب نديم الجميل "ولماذا العقوبة أشد على المتحرش بقاصر..." وتعلو الضحكات محلقة في حرم المجلس .
وحده النائب سامي الجميل اعترض على كل هذه التعليقات الساخرة، ورأى هو والنائبان نواف الموسوي وحسن فضل الله أن التصديق على هذا القانون ضرورة. وعليه، أرجئت المصادقة على اقتراح القانون، وأخذت الحكومة مهلة 10 أيام لدراسة القانون، الذي يتوجب أن نراه مجددا على جدول الأعمال في الجلسة المقبلة من مجلس النواب .
خطوات للضغط
وعن متابعة مسير هذا القانون والتصويت عليه في مجلس النواب، تؤكد الناشطة في مجال حقوق المرأة حياة مرشاد لـ"البلد" بأن هذا القانون الذي اتخذوا منه مادة للسخرية، هو ثمرة جهد وضغط وتعاون كبير مع النائب غسان مخيبر لإيصاله الى مجلس النواب. وترفض مرشاد التعليق على ما أسمته بـ"المسخرة" التي حصلت في المجلس. ووعدت الهازئين بأنه كما جرت العادة وكانت الجمعيات النسائية مدافعا شرسا عن حقوق المرأة والجهات المستضعفة في هذا المجتمع، ستبقى كذلك، وهي تنتظر اليوم ما إن كان سيعاد طرح اقتراح قانون تجريم التحرش في الجلسة القادمة، وما إن كان سيتم التصديق عليه أم لا، و"على ضوء ذلك ستحدد الجمعيات خطواتها المقبلة التي بدأتها افتراضيا" علما أن كل احتمالات الضغط مفتوحة، في معركة إقرار هذا القانون .
cadre
اقتراح القانون
وجاء في اقتراح القانون المعجّل المكرّر الذي قدّمه النائب غسان مخيبر إلى المجلس النيابي، ويرمي الى تجريم التحرش الجنسي والإساءة العنصرية، أنه: "أ- يضاف إلى قانون العقوبات المادة 521 مكرّر التالية، الرامية إلى تجريم التحرش الجنسي والإساءة العنصرية: يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، وبالغرامة من ضعفي إلى عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور، كلّ من أقدم بشكل صادم أو ملحّ أو متكرّر على فرض أقوال أو أفعال أو إيحاءات ذات طابع جنسي أو ذات طابع عنصري، على شخص دون رضاه أو من دون إيحاء بالترحيب، فأدى ذلك إلى الاعتداء على كرامته إما بسبب طبيعتها أو ظروفها المهنية أو الضاغطة أو المحرجة، تتوقف الملاحقة على شكوى المتضرّر. تشدد العقوبة إذا وقع جرم التحرّش الجنسي: (على قاصر، على شخص مصاب بإعاقة أو بمرض مقعد، أو على شخص في وضع تابع اجتماعياً أو اقتصادياً أو مهنياً أو وظيفيا) في هذه الحالات يُستثنى توجّب انتفاء الرضى، ويمكن الحكم بالمنع من مزاولة المهنة وفق أحكام المادتين 94 و 95 من قانون العقوبات. ب - إذا اقترف موظف الجرم المنصوص عنه في المادة 521 مكرّر بمعرض الوظيفة أو بسببها، يعتبر خطأ جسيما فيُحال إلى الهيئات الرقابية والتأديبية ذات الصلاحية. ج - إذا اقترف صاحب عمل خاص أو مهنة حرّة أو أي ممثل له أو موظف يعمل لديه الجرم المنصوص عنه في المادة 521 مكرر على أحد الموظفين العاملين لديه، اعتبرت هذه الأفعال من قبيل الأخطاء الجسيمة لتحديد النتائج المترتبة على الإستقالة أو الصرف. هـ - لا يمكن توقيع أي عقوبة صريحة أو مقنّعة، مباشرة أو غير مباشرة على الموظف أو الأجير المتضرّر بسبب تقديمه الشكوى. و - على الإدارة العامة المعنية على أنواعها المركزية واللامركزية والمدنية والعسكرية، وكذلك يتوجب على كافة أصحاب العمل الملزمين وضع نظام داخلي للأجراء وعلى نقابات المهن الحرة، أن تضمن أنظمتها الداخلية أحكاماً مناسبة وفعالة ترمي إلى الوقاية من التحرّش الجنسي وملاحقته ومعاقبته ".


Source & Link: Al Balad