يدين المركز اللبناني لحقوق الإنسان (CLDH) الحالات المتزايدة من الاستغلال والعمل القسري التي تستهدف اللاجئين السوريين الوافدين إلى لبنان بعد كانون الأول 2024. فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 وما تلاه من هجمات استهدفت الأقليات على الساحل السوري، يُقدّر أنّ حوالي 100,000 سوري قد فرّوا إلى لبنان خوفاً من العنف والاضطهاد بسبب انتمائهم الديني. ورغم أنّ لبنان يستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، إلّا أنّ الوافدين منذ كانون الأول 2024 يواجهون خطر وقوع ضحية استغلال، ويعيشون في خوف دائم، ويبقون في منازلهم أو ضمن مجتمعات محددة لجؤوا إليها، وفقاً لمصادر عدّة تستوجب ادّعاءاتها تحقيقاً قضائياً عاجلاً. 

تلقّى المركز معلومات موثوقة حول لاجئين سوريين لجؤوا إلى لبنان بعد كانون الأول، إذ أفاد بعضهم بأنّ أشخاصاً عرضوا عليهم مكاناً للإقامة مجاناً، مقابل العمل، الذي قسري وشاق. وعندما حاولوا المغادرة أو المطالبة بأجورهم، هددهم أرباب العمل بإبلاغ الأمن العام عنهم، مستغلّين عدم امتلاكهم وثائق قانونية. على لبنان اتخاذ تدابير فورية لمنع هذه الأفعال ومعاقبتها، التزاماً بواجباته الدولية. فقد نصّت الاتفاقية الدولية رقم 29 لسنة 1930 بشأن السخرة أو العمل الإجباري، التي صادق عليها لبنان عام 1977، في المادة 25 منها على أنّ: "استيفاء العمل الجبري أو الإلزامي بطرق غير مشروعة يجب أن يُعتبر جريمة جنائية، وعلى أي دولة تصادق على هذه الاتفاقية أن تضمن أن العقوبات المفروضة بموجب القانون كافية وتُطبَّق تطبيقاً صارماً". كما تُعدّ هذه الممارسات انتهاكاً للمادتين 2 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللتين تضمنان حق كل فرد في ظروف عمل عادلة ومرضية دون تمييز. وتُعتبر هذه الأفعال أيضاً جريمة اتجار بالبشر بموجب المادة 586 من قانون العقوبات اللبناني، بصيغته المعدلة بالقانون رقم 164/2011، نظراً للطابع القسري والإلزامي للعمل المفروض على هؤلاء الأفراد تحت وطأة التهديد. 

بالإضافة إلى ذلك، تلقّى فريق المركز عدداً من الشكاوى من لاجئين وصلوا على لبنان بعد سقوط النظام، وحاولوا التواصل مع خط الاستجابة التابع للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) المخصّص للوافدين الجدد، من دون أي رد من قبلها. 

يؤكد المركز أنّ هذه الانتهاكات هي نتيجة مباشرة لسوء إدارة الحكومة اللبنانية الكارثية لملف اللاجئين، واعتمادها سياسات منحازة وتمييزية. فقد ساهمت هذه المقاربة في تفاقم التوترات الاجتماعية وتعميق انعدام الثقة وخلق شرخ خطير بين المجتمعات اللبنانية واللاجئين. وبدلاً من توفير الحماية للفئات الأكثر ضعفاً، تعمد الحكومة إلى تكريس بيئة عدائية تُسهّل الانتهاكات، وتشجّع الجناة، وتحرم اللاجئين من الأمان والوثائق القانونية والخدمات الأساسية. هذا الإهمال المتعمّد لا يعرّض اللاجئين للاستغلال فحسب، بل يهدّد أيضاً الاستقرار الاجتماعي ويتنافى مع التزامات لبنان القانونية الدولية. ورغم أنّ لبنان لم يصدّق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 أو بروتوكول 1967، إلّا أنّه يبقى مُلزماً بحماية اللاجئين والمهاجرين على أراضيه بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 9 التي تضمن الحق في الحرية والأمن لكل فرد، والمادة 26 التي تضمن الحق في عدم التمييز. 

وبحسب المعلومات التي حصل عليها المركز، فإنّ اللاجئين السوريين الذين وصلوا بعد كانون الأول 2024 معرضون بشكل خاص للتمييز والعنصرية، ليس فقط من قبل بعض فئات المجتمع اللبناني، بل أيضاً من مجتمعات اللاجئين السوريين المجودة في لبنان، الذين غالباً ما يرونهم كمؤيّدين للنظام ويرفضون مساعدتهم في إيجاد مأوى أو الحصول على الخدمات. وقد أدت هذه الوصمة إلى زيادة خوفهم من مغادرة منازلهم وعزلهم عن شبكات الدعم والمعلومات التي يعتمد عليها اللاجئون الآخرون. ويشير فريق المركز إلى أنّ العديد منهم يعيشون في عزلة تامة ويتجنّبون الخروج من منازلهم. 

وتشير مصادر أخرى إلى أنه في بعض المناطق، قد يكون من المستحيل العثور على سكن أو تسجيل الأطفال في المدارس دون تدخل من أحزاب سياسية مسيطرة. فتحوّل هذه الممارسات الحقوق الأساسية إلى أدوات للسيطرة السياسية، ما يزيد من اعتماد اللاجئين على شبكات حزبية ويعرّضهم لمزيد من الاستغلال. وتشكل هذه الادعاءات انتهاكاً مباشراً لالتزامات لبنان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما المادة 11 التي تضمن حق كل شخص في مستوى معيشي لائق، بما في ذلك السكن، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل، التي صادق عليها لبنان، والتي تؤكد في المادة 28 حق جميع الأطفال في التعليم دون تمييز. ويشدد CLDH على ضرورة فتح تحقيقات عاجلة ومحايدة في هذه الادعاءات. 

 

وبناءً على ما تقدّم، يشدّد المركز على ضرورة: 

  • التحقيق الفوري في جميع حالات العمل القسري والاستغلال والممارسات الإكراهية التي تستهدف اللاجئين السوريين، بما في ذلك التهديد بالإبلاغ عنهم، التزاماً بواجبات لبنان بموجب اتفاقية العمل الجبري والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

  • ضمان حصول جميع اللاجئين، بصرف النظر عن تاريخ وصولهم، على وصول آمن وغير تمييزي إلى الإجراءات الإدارية، بما في ذلك الأوراق المدنية والإقامة والحماية القانونية، تماشياً مع التزامات لبنان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 

  • اعتماد سياسات قائمة على الحماية بدلاً من السياسات العقابية أو التمييزية، والامتناع عن أي خطوات تزيد من هشاشة اللاجئين أو خطر إعادتهم القسرية. 

  • تعزيز خطة الاستجابة التابع للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين للوافدين ما بعد سقوط النظام، وضمان سرعة التجاوب وتفعيل قنوات الإحالة، خصوصاً في حالات الاستغلال. 

  • توسيع نطاق مراقبة المفوضية لمخاطر الحماية لدى اللاجئين الجدد، وإنشاء آلية استجابة سريعة للحالات التي تتضمن عملاً قسرياً. 

  • ضمان ألا تخضع عملية الحصول على السكن أو التعليم أو الخدمات الأساسية لأي شروط أو تدخلات سياسية، التزاماً بواجبات لبنان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.