خلال الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، ولا سيما منذ الأول من آذار 2026، استهدفت اسرائيل الطواقم الطبية والمستشفيات والوحدات الصحية بشكل مباشر بما في ذلك فرق الاسعاف التابع للصليب الاحمر اللبناني. وقد اسفرت هذه الهجمات عن إصابات في صفوف الطواقم الطبية، وأدت مؤخراً إلى مقتل أحد المسعفين في الصليب الأحمر اللبناني. ووفقاً لميغافون نيوز، قُتل ما لا يقل عن 14 مسعفاً خلال الأسبوع الأول فقط في هذه الهجمات. وفي 14 آذار 2026، أسفرت غارة إسرائيلية على مركز صحي في جنوب لبنان عن مقتل ما لا يقل عن 12 من العاملين في المجال الطبي، فيما تم أيضاً توجيه تهديدات مباشرة إلى سيارات الإسعاف العاملة في لبنان، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني. كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن النظام الصحي في لبنان يتعرض لضغط شديد نتيجة الاستهداف المتكرر للمرافق الصحية ، مشيرة الى اغلاق أكثر من  54 مرفقًا صحيًا في لبنان، بينها 5 مستشفيات و49 مركزًا للرعاية الصحية الأولية.  

 وفي هذا السياق، يبدو أن إسرائيل تلجأ إلى ما يُعرف بتكتيك «الضربة المزدوجة»، حيث تنفذ ضربتين متتاليتين في الموقع نفسه. وتأتي الضربة الثانية في توقيت يتجمع فيه المسعفون والطواقم الطبية لتقديم الاسعافات الاولية ا للجرحى أو نقل الضحايا الذين سقطوا جراء الضربة الأولى. ويؤدي هذا الأسلوب عملياً إلى استهداف العاملين في المجال الطبي، ويزيد من خطر إصابتهم أو مقتلهم، كما يقوّض بشكل خطير قدرة فرق الاستجابة الطارئة على اداء مهامها في البلاد. 

إن ما يشهده لبنان حالياً من قصف، تدمير، وتهديد للمستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية لا يشكل مجرد انتهاك للقانون الدولي الإنساني، بل يرقى الى مستوى جريمة الحرب (1). فالقانون الدولي الانساني يفرض حماية خاصة للأعيان المدنية ويحظر استهداف المنشآت الطبية والإمدادات ووسائل النقل والمستشفيات، سواء كانت مدنية او عسكرية، وذلك وفقا لاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الاضافية. 

ومن الثابت بحسب القانون الدولي الإنساني أنّ الحماية المقررة للطواقم الطبية لا تقتصر على الأجهزة  الطبية التابعة للدولة كالدفاع المدني، بل تمتد لتشمل أيضاً الهيئات والجمعيات المختلفة التي تعمل في مجال الإسعاف وتقديم الخدمات الطبية (2) ، كما ان هذه الحماية تكون مشددة بالنسبة للجمعيات التي لا تتوخى الربح وللمسعفين المدنيين (3). وبناءً عليه، تكون اسرائيل قد ارتكبت جرائم حرب وخالفت معاهدات جنيف وبروتوكولاتها الاضافية من خلال استهدافها سيارات الإسعاف والطواقم الطبية التابعة للجمعيات الأهلية العاملة في مجال الإسعاف والإنقاذ. 

وحتى لو كانت المستشفيات او الوحدات الطبية بالقرب  من المراكز العسكرية فإن هذا لا يعفي الطرف المعتدي من واجبه باحترام وحماية الوحدات الطبية (4)، لا سيّما أن صغر مساحة لبنان وطبيعته الجغرافية التي أدت الى اكتظاظ المدن الساحلية جعلت من المستحيل أن يكون هناك مسافة كبيرة تفصل بين المستشفيات والمنشآت العسكرية. 

اما ما تدعيه اسرائيل من استخدام بعض المنشآت أو وسائل النقل الطبّيّة  لأغراض عسكرية، كادعائها نقل مقاتلين أو أسلحة أو جمع معلومات فإن هذا الادعاء لا يبرر استهدافهم بشكل مباشر وذلك للأسباب التالية: 

أولاً: لم تقدّم اسرائيل أي دليل موثوق يثبت إساءة استخدام أي طرف من الأطراف اللبنانية لهذه المنشآت ووسائل النقل الطبية. 

ثانياً: وحتى على سبيل الجدل والبحث القانوني، وفي حال افترضنا ان بعض هذه المنشآت أو وسائل النقل الطبية استخدمت لأغراض عسكرية مثل جمع المعلومات وتخزين اسلحة، فان مثل هذه الافعال لم ترق الى مستوى المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وبالتالي فإنها وإن فقدت الحماية المخصصة للأعيان الطبية (5)، فإنها تظل أعياناً مدنية، وتبقى محمية من الهجوم المباشر (6). 

ثالثا: أما الادعاء باستخدام هذه المنشآت في أعمال عسكرية مباشرة، كإطلاق الصواريخ منها، فهذا أمر مستحيل، نظرا لطبيعة هذه المرافق ووظيفتها الانسانية سواء تعلق الأمر بالمستشفيات التي تضم مرضى وطاقماً طبياً، أو بسيارات الإسعاف ذات القدرات المحدودة والمخصصة لنقل الجرحى. 

رابعاً: علماً إنه حتى في الفرضية التي أثبتنا استحالة حدوثها، وتم استعمال هذه المنشآت في أعمل قتالية مباشرة كإطلاق صواريخ، ، فإن القانون الدولي الإنساني لا يجيز استهدافها إلا بعد توجيه إنذار مسبق يحدد فيه مهلة معقولة لوقف هذا الاستخدام على ان يبقى هذا الإنذار دون استجابة، وذلك وفقاً لما نصت عليه اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الاضافية (7). 

كما يشدد المركز على مبدأ التناسب الذي هو من المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني (8)، والذي يقضي بعدم جواز شنّ هجوم إذا كان من المتوقع أن يسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضراراً بالأعيان المدنية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم. وعليه، فإن أي قصف يؤدي في الوقت نفسه إلى مقتل مدنيين أو تدمير منشآت مدنية بشكل غير متناسب مع الفائدة العسكرية المرجوة يُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ويرقى الى مستوى جرائم الحرب. 

بناء لما تقدم، يُدين المركز اللبناني لحقوق الإنسان انتهاكات القانون الدولي الانساني التي ترتكبها إسرائيل في لبنان، لا سيما الاستهداف المتعمد والمتكرر للطواقم الطبية وتعريض حياتهم للخطر. وتُظهر هذه الهجمات تجاهلاً واضحاَ للحماية الخاصة التي تتمتع بها الطواقم والمنشآت الطبية وفقاً للقانون الدولي الانساني. إن استهداف من يقدمون الرعاية الطبية العاجلة لا يعرّض حياة المسعفين الأوائل للخطر فحسب، بل يعيق أيضاً جهود الاستجابة الطارئة بشكل كبير، ويقلص القدرة على انقاذ الأرواح في اللحظات الحرجة. ويشكّل عرقلة تقديم المساعدات الطبية عمداً، تهديداً جسيمًا لأمن المدنيين ويقوض المبادئ الأساسية لكرامة الإنسان وحمايته في مناطق النزاع. 

وعليه، يطالب المركز اللبناني لحقوق الإنسان بما يلي: 

  1. رصد وتوثيق قضائيا جميع الانتهاكات المرتكبة ضد الطواقم الطبية والعاملين في القطاع الصحي  في لبنان. 

  1. صدور إدانة دبلوماسية واضحة من الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي للهجمات التي طالت الطواقم الطبية والمرافق الصحية في لبنان. 

  1. إجراء تحقيقات قضائية مستقلة ونزيهة حول الاستهداف المتعمد للطواقم والمرافق والمركبات الطبية. 

  1. اتخاذ إجراءات محاسبة ضد الأفراد أو الدول، مثل إسرائيل، المسؤولين عن الهجمات على الطواقم الطبية، بما يتوافق مع القانون الدولي. 

  1. تعزيز تدابير الحماية لضمان سلامة الطواقم الطبية العاملة في مناطق النزاع، بما في ذلك توفير الموارد والضمانات الأمنية لاستمرار عملهم الانساني.  

  1. ضمان وصول إنساني فوري للطواقم الطبية للوصول إلى السكان المتضررين دون عوائق. 

  1. الإقرار باختصاص المحكمة الجنائية الدولية ورفع قضية ضد إسرائيل على خلفية مزاعم ارتكاب جرائم حرب في لبنان. 

  1. مطالبة مجلس الأمن الدولي بإصدار إدانة صريحة للهجمات الإسرائيلية على لبنان. 

  1. إيقاف المساعدات العسكرية للحكومة الاسرائيلية.  

 

 

 

مراجع:

(1)المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 

(2)المادة 26 من معاهدة جنيف الأولى والمادة 8 من البروتوكول الإضافي الأول

(3) Louis BALMOND, Droit international humanitaire, Breal, 2020, p 69.  

(4) المادة 19 من معاهدة جنيف الأولى

والمادة 18 من معاهدة جنيف الرابعة والمادة 12 من البروتوكول الإضافي الأول والمادة 28 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي. 

(5)  المادة 21 من معاهدة جنيف الأولى والمادة 19 من معاهدة جنيف الرابعة. 

(6) 2016 نيلس ميلستر، القانون الدولي الإنساني/ مقدمة شاملة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر،

(7) المادة (21) من اتفاقية جنيف الأولى، والمادة 19 (1) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 13 (1) من البروتوكول اإلضافي

(8) المادتان 51 (5) (ب)، و57 (أ) (ثالثا)، و(ب) من البروتوكول اإلضافي األول؛ والقواعد (14) و(18) و(19) من قواعد القانون الدولي اإلنساني العرفي.