يصادف العشرون من حزيران من كل عام اليوم العالمي للاجئين، وهي مناسبة لتكريم صمود الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من الحروب والاضطهاد والعنف، وللتأكيد مجدداً على مسؤولية المجتمع الدولي في حمايتهم.
ويأتي اليوم العالمي للاجئين هذا العام في وقت بالغ الصعوبة بالنسبة للاجئين في لبنان. ففي ظل تجدد الأعمال العدائية وحالات النزوح الجماعي، يجد اللاجئون الذين سبق أن فرّوا من النزاعات والاضطهاد أنفسهم مرة أخرى أمام واقع التهجير المتكرر، والتعرض لموجات جديدة من العنف، وتزايد العوائق التي تحول دون حصولهم على الحماية والمساعدة.
ولا يزال لبنان يستضيف أحد أعلى معدلات اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان في العالم، إذ يعيش نحو مليون لاجئ سوري، وأكثر من 200 ألف لاجئ فلسطيني، قي لبنان إضافة إلى مئات الآلاف من العمال المهاجرين وطالبي اللجوء. وقد عانى العديد منهم من موجات نزوح متكررة، وشهدت أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية تدهوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
ومنذ تصاعد الأعمال العدائية في آذار 2026، تأثرت مجتمعات اللاجئين بشكل غير متناسب. فقد طالت أوامر الإخلاء والأعمال العسكرية عدداً من المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان، بما فيها مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي والبص، كما طالت الضربات مناطق مدنية مكتظة بالسكان في محيط بيروت. وتثير هذه التطورات مخاوف جدية في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب.
وفي الوقت نفسه، لا يزال اللاجئون في لبنان يواجهون تحديات جسيمة تتعلق بالحماية، كانت قائمة قبل النزاع الحالي وتفاقمت بفعل تداعياته. ولا تزال إمكانية الوصول إلى المساعدات الإنسانية غير متكافئة، حيث تواجه الفئات الأكثر هشاشة، بما فيها اللاجئون السوريون غير المسجلين والعمال المهاجرون غير النظاميين، مخاطر متزايدة تتمثل في الاستبعاد من آليات الحماية والمساعدات.
كما لا يزال العديد من اللاجئين يعانون من التمييز، وقيود الحركة، والعوائق التي تحول دون الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن الصعوبات المتعلقة بالحصول على الوثائق القانونية. ويعبر السوريون الوافدون حديثاً، الفارون من أعمال العنف في المناطق الساحلية وغيرها من المناطق السورية، عن مخاوف واسعة من الاعتقال أو الترحيل أو الإعادة القسرية، الأمر الذي يدفع الكثير منهم إلى تجنب التواصل مع السلطات أو طلب المساعدة. ونتيجة لذلك، لا يزال العديد منهم يفتقرون إلى شبكات الدعم الاجتماعي، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن التزامات لبنان تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والعمال المهاجرين والنازحين لا تقتصر على الاعتبارات الإنسانية أو الالتزامات السياسية. فعلى الرغم من أن لبنان ليس طرفاً في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، إلا أنه يظل ملزماً بالاتفاقيات الدولية التي انضم إليها، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والبروتوكول الاختياري الملحق بها، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. كما يلتزم لبنان باتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي العرفي ذات الصلة، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وتُلزم هذه الصكوك الدولية السلطات اللبنانية بضمان الحق في الحياة، والحرية، والأمن الشخصي، والمساواة أمام القانون، والحماية من الاحتجاز التعسفي، ومن التعذيب وسوء المعاملة، وضمانات المحاكمة العادلة، والحق في الصحة والتعليم والعمل ومستوى معيشي لائق. وبموجب المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يمتنع لبنان عن إعادة أو ترحيل أو طرد أو تسليم أي شخص إلى دولة توجد فيها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه قد يواجه خطر التعذيب أو الاضطهاد أو الاختفاء القسري أو الاحتجاز التعسفي أو غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة. كما يعزز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تؤكد مقدمة الدستور اللبناني الالتزام بمبادئه، الحق في طلب اللجوء، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والحماية من التمييز.
وفي المقابل، تتعرض الاستجابة الإنسانية لضغوط متزايدة، حيث أدت تخفيضات التمويل التي طالت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى الحد من خدمات الحماية، والرعاية الصحية، والتعليم، والمساعدة القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بشكل غير مسبوق، ما ترك العديد من اللاجئين والنازحين دون دعم كافٍ.
كما ساهمت الأزمة الراهنة في تأجيج التوترات الاجتماعية وتصاعد الخطابات المعادية للاجئين، الأمر الذي زاد من تعرضهم للتمييز والاستغلال والقيود التعسفية وتحميلهم مسؤولية أزمات لم يتسببوا بها. وينبغي أن تستند الحماية إلى الاحتياجات والحقوق، لا إلى الجنسية أو الوضع القانوني.
وفي ضوء هذه التطورات، وانطلاقاً من التزامات لبنان الملزمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العرفي، يدعو المركز اللبناني لحقوق الإنسان السلطات اللبنانية والجهات الإنسانية والمانحين والمجتمع الدولي إلى:
-
احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية والامتناع عن الترحيل أو الطرد أو الإعادة القسرية أو عمليات الصد أو أي تدابير من شأنها تعريض الأفراد لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو الاحتجاز التعسفي أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
-
ضمان وصول جميع اللاجئين وطالبي اللجوء والعمال المهاجرين وعديمي الجنسية والنازحين إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والمأوى والغذاء والمياه والصرف الصحي والحماية الاجتماعية، على قدم المساواة ومن دون تمييز.
-
إزالة العوائق التي تحول دون الحصول على الإقامة القانونية والوثائق الثبوتية، ومنع الاعتقال والاحتجاز التعسفيين على أساس وضع الإقامة أو الهجرة، وضمان حرية التنقل والحق في الوصول إلى العدالة والضمانات القانونية.
-
مكافحة خطاب الكراهية والتحريض والممارسات التمييزية والعقوبات الجماعية التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين، وضمان احترام مبادئ المساواة والكرامة وعدم التمييز.
-
زيادة التمويل المخصص لخدمات الحماية والرعاية الصحية والتعليم والمساعدة القانونية وحماية الطفل والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي.
-
ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك اللاجئون غير المسجلين، والعمال المهاجرون غير النظاميين، والأشخاص ذوو الإعاقة، والأسر التي تعيلها نساء، والأطفال، وكبار السن، والناجون من التعذيب والاتجار بالبشر.
-
ضمان امتثال جميع أطراف النزاع لأحكام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما فيها مخيمات اللاجئين والمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء ودور العبادة.
وفي اليوم العالمي للاجئين، يجدد المركز اللبناني لحقوق الإنسان التزامه بمواصلة توثيق الانتهاكات، ودعم المجتمعات المتضررة، والمناصرة من أجل صون كرامة وحقوق جميع اللاجئين والنازحين في لبنان، بغض النظر عن أصولهم أو عدد المرات التي اضطروا فيها إلى الفرار بحثاً عن الأمان.