يشكّل اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، الذي يُحييه العالم في 30 تموز من كل عام، مناسبة لتجديد الالتزام بتعزيز الوقاية، وحماية الضحايا، وضمان مساءلة مرتكبي هذه الجريمة.
ويأتي إحياء هذه المناسبة هذا العام في وقت يواحه فيه لبنان تحديات غير مسبوقة. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي المستمر، تكرار الأزمات الإنسانية، وتصاعد الأعمال العدائية، إلى زيادة هشاشة الفئات الاكثر عرضةَ للاستغلال، وزيادة مخاطر تعرضها للاتجار بالأشخاص والعمل القسري، وغيرها من اشكال الاستغلال. وفي الوقت نفسه، أدى تراجع التمويل الإنساني وتقلّص خدمات الحماية إلى الحدّ من قدرة الضحايا والناجين على الوصول إلى الحماية، والمساعدة القانونية، والعدالة، وخدمات التعافي وإعادة التأهيل.
وقد وثّق المركز اللبناني لحقوق الإنسان، من خلاله عمله على مدى السنوات، كيف أسهمت هذه الأزمات المتداخلة في تعميق أنماط الاستغلال القائمة، لا سيّما بحق عاملات المنازل المهاجرات، واللاجئين، والنساء، والأطفال. وعلى الرغم من اعتماد لبنان القانون رقم 164/2011 لمكافحة الاتجار بالأشخاص، لا تزال ثغرات في تطبيقه تحدّ من فعاليته في حماية الضحايا وضمان مساءلة الجناة، الأمر الذي يساهم في استمرار الإفلات من العقاب.
الفئات الأكثر عرضةً للاتجار بالأشخاص في لبنان: عندما تتحول الهشاشة البنيوية إلى عامل استغلال
لا يحدث الاتجار بالأشخاص بمعزل عن غيره من العوامل، بل يزدهر في البيئات التي تتقاطع فيها التمييز، الفقر، والنزوح، وضعف الحماية العمالية، ومحدودية الوصول إلى العدالة.
وتُظهر توثيقات المركز اللبناني لحقوق الإنسان أن فئتين تواجهان مخاطر متكررة وحادة بشكل خاص، وهما عاملات المنازل المهاجرات واللاجئون السوريون.
عاملات المنازل المهاجرات
لا تزال عاملات المنازل المهاجرات من أكثر الفئات عرضةَ للاتجار بالأشخاص في لبنان، نتيجة استمرار العمل بنظام الكفالة، الذي يمنح أصحاب العمل سيطرة واسعة على الوضع القانوني للعاملات وحركتهن وإقامتهن فضلاَ عن استثنائهن من الحماية التي يكفلها قانون العمل اللبناني.
وقد وثّق تقرير المركز اللبناني لحقوق الإنسان «بمأمن من العبودية: واقع العاملات المهاجرات في لبنان» (2023) مؤشرات واسعة النطاق على الاتجار بالأشخاص والعمل القسري، من بينها مصادرة جوازات السفر، والخداع بشأن شروط العمل، وساعات العمل المفرطة، والاحتجاز داخل مكان العمل، وتقييد التواصل مع أفراد الأسرة، وعدم دفع الأجور، والتعرّض للعنف الجسدي والنفسي، وسوء ظروف المعيشة.
وغالبًا ما تواجه العاملات اللواتي يتركن أماكن عملهن بسبب الاستغلال أو سوء المعاملة، أو يسعين إلى تغيير أصحاب العمل المسيئين، خيارات محدودة وشبه مستحيلة. فكثيرات يغادرن من دون وثائقهن الثبوتية، بعد أن يكون أصحاب العمل قد صادروا جوازات سفرهن أو احتفظوا بها، مما يضعهن في وضع قانوني غير نظامي ويعرّضهن لخطر التوقيف والاحتجاز، أو لمواجهة اتهامات كيدية، مثل السرقة، أو للوقوع مجددًا ضحية لشبكات الاتجار بالأشخاص. كما وثّق المركز اللبناني لحقوق الإنسان عوائق منهجية تحول دون وصول الضحايا إلى العدالة، من بينها محدودية الوصول إلى المساعدة القانونية، وغياب المترجمين الفوريين أثناء التحقيقات، والمعاملة التمييزية في أماكن الاحتجاز، وعدم كفاية آليات تحديد هوية ضحايا الاتجار بالأشخاص وإحالتهم إلى خدمات الحماية المناسبة.
وقد أدّى تصاعد الأعمال العدائية خلال العدوان الأخير على لبنان إلى تفاقم هذه المخاطر. إذ وثّق تقرير المركز اللبناني لحقوق الإنسان «التمييز المنهجي ضد العمال المهاجرين خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان» (2026) العديد من الحالات التي تُرك فيها العمال المهاجرون من قبل أصحاب عملهم من دون أجور أو وثائق، واستُبعدوا من مراكز الإيواء الجماعية، وحُرموا من المساعدات الإنسانية، وفي بعض الحالات بقوا محتجزين بعد انتهاء مدة محكوميتهم بسبب غياب خيارات آمنة لإعادتهم إلى بلدانهم. وقد أدّت هذه الظروف إلى زيادة كبيرة في مخاطر التعرّض للاتجار بالأشخاص، والعمل القسري، وأشكال الاستغلال الأخرى.
اللاجئون السوريون
لا يزال اللاجئون السوريون من بين الفئات الأكثر عرضة للاتجار بالأشخاص، نتيجة السياسات التقييدية المتعلقة بالإقامة، وانتشار الفقر، والنزوح، ومحدودية فرص كسب العيش وتراجع المساعدات الانسانية.
وقد وثّق المركز اللبناني لحقوق الإنسان تزايد حالات العمل القسري، وسرقة الأجور، والاستغلال في العمل ، استهدفت لاجئين وصلوا حديثًا الى لبنان أخرين يقيمون منذ سنوات. ويُعدّ الأطفال من أكثر الفئات عرضة للاستغلال في سوق العمل بما في ذلك إشراكهم في اعمال خطرة كالتسوّل المنظّم. وفي الوقت نفسه يحول الخوف من التوقيف، والاحتجاز، والترحيل، أو الإعادة القسرية العديد دون لجوء العديد من الضحايا الى الإبلاغ عن الانتهاكات أو طلب الحماية.
وقد ادت تداعيات الحرب الاخيرة الى تفاقم هذه المخاطر. إذ تعرّضت العديد من الأسر اللاجئة للنزوح المتكرر، وفقدان مصادر الدخل، والاستبعاد من المساعدات الإنسانية، ومواجهة عوائق كبيرة تحول دون الحصول على سكن آمن، مما زاد من هشاشتها وعرضها بدرجة أكبر للاستغلال ، واجبرتهم للجور الى استراتيجيات غير رسمية للبقاء على قيد الحياة.
ولا يقتصر الاتجار بالأشخاص على هذه الفئات، بل يطال لتطال كل من يعيش أوضاعًا تزيد من احتمالات تعرضه للاستغلال، بمن فيهم النساء والفتيات اللواتي المعرضات للاستغلال الجنسي، والأطفال، والعمال المهاجرون العاملون خارج قطاع العمل المنزلي، والأشخاص الذين يواجهون أشكالًا متقاطعة من التمييز. لذلك ينبغي أن تعتمد سياسات مكافحة الاتجار بالأشخاص نهجًا شاملًا يضع حقوق الضحايا واحتياجاتهم في صلب الاستجابة، وضمن الوصول الى الحماية والعدالة لجميع الأشخاص المعرّضين للخطر.
وتعكس أنماط الهشاشة التي وثّقها المركز اللبناني لحقوق الإنسان اتجاهات عالمية أوسع. فوفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، أصبح العمل القسري أحد أكثر أشكال الاتجار بالأشخاص اكتشافًا على مستوى العالم، فيما لا يزال المهاجرون واللاجئون والنازحون من بين الفئات الأكثر عرضة للاتجار والاستغلال. وتعزز هذه الأدلة العالمية ما خلص إليه المركز اللبناني لحقوق الإنسان، ومفاده أن استجابة لبنان للاتجار بالأشخاص يجب أن تجمع بين حماية الضحايا وإصلاحات في مجالات العمل والهجرة والعدالة.
إطار قانوني وطني قائم، لكن التطبيق لا يزال غير كافٍ
اعتمد لبنان القانون رقم 164/2011 المتعلق بمعاقبة جريمة الاتجار بالأشخاص، والذي أدخل جرائم الاتجار بالأشخاص إلى قانون العقوبات، وجرّم الأفعال المرتكبة بقصد الاستغلال، بما في ذلك العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والاسترقاق، والتسوّل القسري، والممارسات الشبيهة بالرق.
كما يعترف القانون بوضعية الضحايا الهشّة، ويعفيهم من المسؤولية الجزائية عن الجرائم التي ارتكبت كنتيجة مباشرة لتعرّضهم للاتجار بالأشخاص.
ورغم هذه الخطوات القانونية المهمة، لا يزال تطبيق القانون غير متّسق.
فكما وثّقت المفكرة القانونية، وكما لاحظه المركز اللبناني لحقوق الإنسان من خلال عمله في تقديم المساعدة القانونية ومتابعة القضايا، لا يزال يُساء التعرف على ضحايا الاتجار بالأشخاص باعتبارهم مرتكبي جرائم، ولا سيما عاملات المنازل المهاجرات والنساء السوريات اللواتي يُلاحقن بتهم تتعلق بعمل الجنس أو بمخالفات الإقامة، بدلًا من الاعتراف بهن كضحايا للاتجار بالأشخاص وتوفير الحماية لهن. كما لا تزال التحقيقات في جرائم الاتجار بالأشخاص محدودة.
وعلى الرغم من وجود نص في قانون العقوبات اللبناني يجرّم الاتجار بالأشخاص، فإن ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم لا تزال نادرة نسبيًا. إضافةً إلى ذلك، لا يوجد إطار شامل يضمن إعادة تأهيل الضحايا أو يوفّر لهم سبلًا فعّالة للحصول على التعويض وجبر الضرر.
إن إنهاء الاتجار بالأشخاص يتطلّب أكثر من مجرد سنّ التشريعات؛ فهو يستلزم تطبيقًا فعّالًا للقوانين، وتوفير الموارد الكافية، والتدريب المتخصص، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وضمان المساءلة الحقيقية.
الاتجار بالأشخاص: انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان وإخلال بالتزامات لبنان الدولية
لا يُعدّ الاتجار بالأشخاص مجرد جريمة جنائية، بل يشكّل سلسلة متواصلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تمسّ مختلف جوانب حياة الضحايا.
ويُعدّ الإخفاق في التحقيق الفعّال في جرائم الاتجار بالأشخاص وملاحقة مرتكبيها انتهاكًا لالتزامات لبنان الدولية في حماية وضمان الحقوق الأساسية للضحايا، بما في ذلك الحق في الحرية، والأمن، والكرامة، والتحرر من الرق والعمل القسري، وعدم التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والحق في الوصول إلى العدالة، والعمل اللائق، والمساواة أمام القانون، والحياة الأسرية، والتعليم، والصحة، والحماية من التمييز. وتكرّس هذه الحقوق العديد من الاتفاقيات الدولية التي انضم إليها لبنان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، واتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD)، إضافةً إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية (ILO) ذات الصلة، والتي تُلزم لبنان بمنع الاتجار بالأشخاص، وحماية الضحايا، والتحقيق مع الجناة، وضمان حصول الضحايا على سبل انتصاف فعّالة وإعادة التأهيل.
يدعو المركز اللبناني لحقوق الإنسان:
السلطات اللبنانية إلى:
-
ضمان التطبيق الفعّال للقانون رقم 164/2011، وتعزيز التطبيق المتسق للمادة 586 (8) من قانون العقوبات من قبل السلطات القضائية المختصة، بما يكفل حماية ضحايا الاتجار بالأشخاص من الملاحقة القضائية عن الجرائم التي ارتُكبت كنتيجة مباشرة لتعرّضهم للاتجار.
-
إدراج عاملات وعمال المنازل المهاجرين صراحةً ضمن نطاق حماية قانون العمل اللبناني، بما يضمن تمتعهم بالحقوق والحماية القانونية المتعلقة بشروط العمل.
-
ضمان حصول الضحايا على المساعدة القانونية، والرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي، والمأوى الآمن، والتعويض، وإعادة التأهيل، والإقامة المؤقتة لأسباب تتعلق بالحماية، بغض النظر عن وضعهم المتعلق بالإقامة أو الهجرة.
-
دعم برامج التدريب والتخصص للقضاة، وأعضاء النيابة العامة، وأجهزة إنفاذ القانون، ومفتشي العمل، وعناصر الأمن العام، والأخصائيين الاجتماعيين حول تحديد ضحايا الاتجار بالأشخاص، والتحقيق في هذه الجرائم، والاستجابة لها، من خلال اعتماد نهج يضع الضحية في صلب الاستجابة ويراعي آثار الصدمات النفسية.
-
تكثيف عمليات تفتيش أماكن العمل، وتعزيز الرقابة على مكاتب استقدام العمال وأصحاب العمل، لمنع الاستغلال قبل أن يتطور إلى اتجار بالأشخاص.
المانحين الدوليين والجهات الإنسانية إلى:
-
الحفاظ على التمويل المخصص لبرامج مكافحة الاتجار بالأشخاص وزيادته بما يتناسب مع الاحتياجات، بما يشمل المساعدة القانونية، ودور الإيواء، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات حماية الطفل، وبرامج إعادة التأهيل.
-
دعم المؤسسات اللبنانية ومنظمات المجتمع المدني في تطوير وتعزيز آليات تحديد هوية الضحايا، ومسارات الإحالة، وخدمات الحماية وتعزيز الاستجابة المتخصصة في التعامل مع جرائم الاتجار بالأشخاص.
-
ضمان وصول المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية إلى جميع الأشخاص المعرضين لخطر الاتجار بالأشخاص، بغض النظر عن الجنسية، أو الوضع القانوني، أو حيازة الوثائق الرسمية، بما يحدّ من عوامل الهشاشة التي تزيد من مخاطر الاستغلال.