بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، يجدد المركز اللبناني لحقوق الإنسان بأن حماية العاملين والعاملات في المجالين الإنساني والطبي ليست خيارًا أو إجراءً تقديريًا، بل التزامًا بموجب القانون الدولي الإنساني. في هذا الإطار، تسلط حملة هذا العام، تحت شعار#العمل_من_أجل_الإنسانية (#ActForHumanity) مسؤولية الدول وأطراف النزاع الى تعزيز حماية العاملين في المجال الإنساني، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني وضمان احترامه، وتأمين التمويل الإنساني الكافي لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
ويأتي إحياء هذه المناسبة هذا العام في ظل استمرار الانتهاكات للقانون الدولي الانساني. لا سيما في سياق استئناف الأعمال العدائية واسعة النطاق منذ 2 آذار 2026، فقد أفادت التقارير عن مقتل وإصابة عدد من العاملين في المجالين الإنساني والطبي في لبنان، الى جانب تعرضهم لقيود وعرقلة اثناء أدائهم لمهامهم، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن وقوع انتهاكات متكررة لهذا القانون.
وقد وثّق المركز اللبناني لحقوق الإنسان هجمات متكررة استهدفت العاملين في القطاع الصحي والبنية التحتية الطبية، شملت استهداف مراكز الرعاية الصحية، ومقتل المسعفين، والاستخدام الظاهر لما يُعرف بتكتيك "الضربة المزدوجة"، حيث يُستهدف المسعفون وفرق الإنقاذ أثناء استجابتهم لإغاثة ضحايا الضربة الأولى.
وخلص تقرير المركز لعام 2025، "الهجمات الإسرائيلية على العاملين والمنشآت الطبية في لبنان: جرائم حرب تستوجب التحقيق والملاحقة"، إلى أن الهجمات التي استهدفت العاملين في المجال الطبي، والمنشآت الصحية، ومراكز وعناصر الدفاع المدني، والعاملين في المجال الإنساني، أدت إلى تعطيل الخدمات الصحية الأساسية، وتسببت في آثار إنسانية طويلة الأمد.
كما وثّق تقرير المركز لعام 2026، "القضاء المنهجي على الحياة: الهجمات على المراكز الطبية ومراكز الدفاع المدني في لبنان"، نمطًا من الهجمات التي استهدفت أفراد الطواقم الطبية الذين أمكن التعرف عليهم بوضوح، وسيارات الإسعاف، والمستشفيات، ومراكز الدفاع المدني، خلال الفترة الممتدة بين 8 تشرين الأول 2023 و27 تشرين الثاني 2024، استنادًا إلى شهادات مباشرة، وتوثيق ميداني، وبيانات رسمية لبنانية.
وتشير هذه النتائج، بما في ذلك الاستهداف المباشر لسيارات الإسعاف المعلّمة بوضوح أثناء تنفيذ عمليات الإنقاذ، وتدمير مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتعطيل الخدمات المنقذة للحياة، إلى أفعال قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف، وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني العرفي، وجرائم حرب.
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، قُتل 4,230 شخصًا وأُصيب 12,179 آخرون في لبنان بين 2 آذار و25 حزيران 2026. وكان العاملون في القطاع الصحي من بين الفئات الأكثر تضررًا، إذ قُتل 135 منهم وأُصيب 406 آخرون، في حين تعرّض عدد كبير من المرافق الصحية لأضرار أو اضطر إلى تعليق عمله. وتعكس هذه الأرقام حجم الانتهاكات التي طالت الأشخاص والأعيان المشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.
وتنص اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها على وجوب احترام وحماية العاملين في المجالين الطبي والإنساني، الوحدات الطبية، وسائل النقل الطبي، والمنشآت الصحية في جميع الأحوال. كما أن تعمّد توجيه الهجمات ضد هؤلاء الأشخاص أو الأعيان، أو شنّ هجمات لا تميّز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، تشكّل جرائم حرب بموجب المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويشدّد المركز اللبناني لحقوق الإنسان على أن الهجمات الموثقة في لبنان تشكل انتهاكاً لمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجمات، فضلًا عن حظر استهداف الأشخاص العاجزين عن القتال والأشخاص الذين يضطلعون بمهام طبية أو إنسانية محمية.
ولا تقتصر الأزمة على المخاطر الأمنية التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، بل تتفاقم أيضًا بسبب النقص الحاد في التمويل الإنساني، الأمر الذي يعيق إعمال الحقوق الأساسية ويقوّض الضمانات الإنسانية الواجبة للسكان المتضررين. وحتى حزيران/يونيو 2026، لم يحصل النداء العاجل للأمم المتحدة من أجل لبنان (UN Flash Appeal) سوى على نحو ثلث التمويل المطلوب، رغم سعيه إلى جمع 639.9 مليون دولار أميركي لتقديم المساعدة إلى 1.4 مليون شخص. وفي الوقت نفسه، لا يزال أكثر من 130 ألف شخص نازح يقيمون في مراكز إيواء جماعية، فيما يواجه ما يقارب شخصًا واحدًا من كل أربعة في لبنان مستويات حرجة أو طارئة من انعدام الأمن الغذائي.
ويحذّر المركز اللبناني لحقوق الإنسان كذلك من أن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل المؤرخ في 26 حزيران 2026 يجب ألّا يُنفّذ بطريقة تؤدي إلى إطالة أمد النزوح أو تربط عودة النازحين باعتبارات سياسية أو أمنية لا تمت بصلة إلى حقوق المجتمعات المتضررة واحتياجاتها. فأي تسوية سياسية ينبغي أن تكفل حق النازحين في العودة الآمنة والطوعية والمستنيرة والكريمة، وأن تحافظ في الوقت نفسه على حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعدالة، والانتصاف الفعّال، وجبر الضرر.
بناءً على ما تقدّم، يدعو المركز اللبناني لحقوق الإنسان:
السلطات اللبنانية إلى:
-
سلوك جميع السبل المتاحة لضمان المساءلة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو قبول اختصاص المحكمة بموجب إعلان وفقًا للمادة 12(3) من النظام الأساسي.
-
توثيق الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المزعومة، وحفظها، ومشاركتها وفقًا للمعايير الدولية، بما يشمل ضمان سلامة سلسلة حفظ الأدلة واعتماد تدابير لحماية الضحايا والشهود.
-
اعتماد وتنفيذ تدابير فعّالة لحماية العاملين والعاملات في المجالين الإنساني والطبي في لبنان، بما في ذلك تعزيز آليات التنسيق، وتوفير الضمانات الأمنية، وضمان المساءلة عن أي أعمال تعيق أداء المهام المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
-
ضمان حصول النازحين والنازحات على المساعدات الإنسانية في الوقت المناسب، وبصورة كافية ومن دون أي تمييز، بما يتوافق مع التزامات لبنان بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
أطراف النزاع إلى:
-
الوقف الفوري لجميع الهجمات الموجّهة ضد المدنيين والأعيان المدنية، والعاملين والعاملات في المجالين الإنساني والطبي، والوحدات الطبية، وسيارات الإسعاف، والبنية التحتية الإنسانية.
-
الالتزام الكامل بمبادئ التمييز، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجمات، والامتناع عن أي سلوك من شأنه أن يجعل الأشخاص أو الأعيان المشمولة بالحماية هدفًا للهجمات.
-
ضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة وأمان واستمرار ومن دون عوائق إلى جميع أنحاء لبنان، بما يشمل عمليات الإجلاء الطبي، وعمليات الإنقاذ، وإيصال المساعدات الأساسية.
-
التعاون الكامل مع التحقيقات المستقلة والمحايدة والفعّالة، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى المعلومات ذات الصلة، والأماكن المعنية، والشهود.
الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى:
-
الإدانة العلنية للهجمات التي تستهدف العاملين والعاملات في المجالين الإنساني والطبي، والتأكيد على التزام إسرائيل باحترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه.
-
توفير التمويل الكامل للنداء العاجل للأمم المتحدة من أجل لبنان لعام 2026، وضمان أن يكون التمويل الإنساني متاحًا في الوقت المناسب، ومرنًا، ومتناسبًا مع الاحتياجات الإنسانية القائمة.
-
دعم آليات المساءلة المستقلة القادرة على التحقيق في الانتهاكات، وتحديد المسؤولين عنها، وتمكين ملاحقتهم قضائيًا متى توفرت الأدلة التي تثبت مسؤوليتهم الجنائية.
-
دعم المبادرات الرامية إلى حفظ الأدلة، بما في ذلك التوثيق الجنائي، والتحقيقات المعتمدة على المصادر المفتوحة، وآليات الإبلاغ التي تراعي حقوق واحتياجات الناجين والشهود.